الراغب الأصفهاني

166

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

إن الحزم والجد ألبساني سوء ظنّي وجعلا سيفي سوطي ، فنجاده في عنقي وقائمه في يدي . وقطع بنو عمرو بن حنظلة الطريق فكتب إليهم : أمّا بعد فإنكم استنكحتم السمن فنسلتم الفتن ، وإني أقسم باللّه لئن عاودتم الظلم وسعيتم في الإثم لأبعثنّ إليكم خيلا تدع نساءكم أيامى وأولادكم يتامى . فأيما رفقة وردت ماء قوم لكم فأهل الماء ضامنون لها إن تجاوزتهم إلى ماء غيرهم تقدمة مني إليكم وإنذارا لكم فالانتقام يعقب العفو والإنذار لا بقية معه والسلام . وأحضر عبد الملك بن صالح للرشيد من حبسه فلما مثل بين يديه أنشد الرشيد : أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد واللّه لكأني أنظر إلى شبوبها وقد همع ، وإلى عارضها وقد لمع ، وكأني بالوعيد وقد أورى نارا فأقلع عن براجم « 1 » بلا معاصم ، ورؤوس بلا غلاصم « 2 » . مهلا بني هاشم فبي سهل الوعر وصفا الكدر وألقت إليكم الأمور آنفا أزمتها ، فحذار من حلول داهية خبوط باليد ، لبوط بالرجل . فقال عبد الملك : اتّق اللّه فيما ولاك ، وراقبه فيما استرعاك ولا تجعل الكفر موضع الشكر ، والعقاب موضع الثواب ولا تقطع رحمك بعد صلتها وقد جمعت القلوب على محبتك ، وأذللت همم الرجال لطاعتك ، وكنت كما قال : ومقام ضيق فرجته * بلسان وبيان وجدل « 3 » ولو يقوم الفيل أو فيا له * زلّ عن مثل مقامي وزحل حثّ من تعرض لك أن يجر بك قال جرير يخاطب عياش بن الزرقاني : أعياش قد ذاق المنون مرارتي * وأوقدت ناري فادن ويلك فاصطل « 4 » قال ابن أبي عيينة : سيعلم إسماعيل أنّ عداوتي * لها ريق أفعى لا يصاب دواؤها قال سنان بن أبي حارثة : قل للمقوم وابن هند بعده * إن كنت رائم عزّنا فاستقدم « 5 » تلقى الذي لاقى العدوّ وتصطبح * كأسا صبابتها كسمّ العلقم « 6 »

--> ( 1 ) البراجم : مفاصل الأصابع جمع برجمة ، والبراجم قوم من تميم . ( 2 ) الغلاصم : اللحم بين الرأس والعنق . ( 3 ) البيان : البلاغة وقوة الإفصاح . ( 4 ) اصطلى : استدفأ . ( 5 ) رأم يرأم فهو رائم : أصلح ، والجرح : عالجه حتى برأ . ( 6 ) الصّبابة : بقية الماء ونحوه في الإناء - العلقم : الحنظل ، والمرارة الشديدة .